حاجات بكتبها
Tuesday, April 17, 2007
الرزق
ذاك الوقت من اليوم الذي انتظره من يوم ليوم قد أتى .. الجو من حولي مفعم بمزيج لم أعرف كنهه قط و الإضاءة لا تكاد تكون هناك إلا من بضعة مصابيح هنا و هناك متناثرة على صفحة المياه الداكنة . لا أسمع شيئا كأن الحياة هنا قد توقفت منذ فترة .. و الرائحة ؟ .. ما أطيبها رائحة البحر الراقد أمامي ينتظرنا بلهفة ..رائحة الرزق .
لكن شيئا اليوم كان مختلفا .. تأخرت على موعدي و خفت أن افقد قاربي و لكن قلقي تلاشى حين وصلت المرسى . لم أعهد ذلك الزحام على الشاطئ من قبل كأن كل الصيادين قد تركوا مراكبهم و تجمعوا على الشاطئ .
تلفت حولي أبحث عن سبب لهذا التجمهر, فلم أجد . أطرقت سمعي علني استفهم الأمر ..
" مافيش سمك ! .. و كل الصيادين رجعوا إيد ورا و إيد قدام .. "
" البحر فضي و بطل يطرح سمك .. "
" البحر غضبان علينا و على عيالنا و مش حيرزقنا إلا لما نراضيه .. "
تحركت بين الجموع .. رأيت الريس مسعود و حسن و طلبة و بقية الصيادين و كلهم يتسائلون عما اقترفته أيديهم حتى يعاقبوا هكذا و تساءلت أنا الآخر .. ما الذي حدث ؟ و لماذا بخل علينا البحر بخيراته ؟
اعتاد عم سالم كل يوم أن يبكر في المجئ و ينطلق بالمركب لوحده قبل أن يأتي أي من الصيادين الآخرين . يقوم بجولة واسعة في البحر ثم يعود. لطالما تساءل الناس عن كنه ما يقوم به لكنه لم يعط أحدا إجابة على الإطلاق و إعتدنا معشر الصيادين عادة عم سالم و لم يعترض أحد . حتى البارحة ..
استجمعت شجاعتي و ذهبت مبكرا على غير عادتي لألحق بعم سالم و أعرف ماذا يفعل . تعجب الرجل في البداية حين طلبت منه مرافقته في جولته الليلية ثم ابتسم و ضحك و تعالت ضحكته ..
" حسنا سترافقني .. "
لم أصدق أذني و لكني تمالكت نفسي و ذهبت معه و انا أفكر في السر وراء خضوعه . و كلما مر علينا الوقت في البحر تزايد توتري إذ علمت أنني اقترب كل لحظة من السر .
توقف عم سالم في وسط المياه و نهض حاملا كيسا قماشيا دائما ما يحمله , فتحه و دعاني للنظر فيه و دهشت لما رأيت .. أرغفة عديدة – حوال عشرون – من العيش الفينو الإفرنجي , تناول واحدا و بدأ يقتطع منه و يقذف في البحر و رأيت المياه تضطرب حيث ألقى .. ثم يتحرك قليلا و يكرر ما يفعل و انا جالس بلا حراك أشاهده يستمتع بما يفعل و حين انتهى وجه القارب ناحية الشاطئ و بدأ في التجديف للعودة .
" كده ربنا يبارك في صيدة النهاردة .. خمسين سنة و انا اعمل كده كل يوم مافوتش يوم حتى شهور وقف الصيد ! .. "
بحثت بين الجموع عن عم سالم , فلم أجده. القيت بقفتي على الرمال و هرعت إلى عشة عم سالم القريبة. ناديت عليه فلم يجب .. فتحت البب عنوة و كسرته لأدخل و أجد عم سالم مستلق على فراشه و قد قابل وجه كريم ..
خرجت للناس و القيت عليهم الخبر كالصاعقة ..
" لا حول و لا قوة إلا بالله .. الله يرحم الراجل الطيب .. "
" هو يوم باين من أوله .. "
" البحر زعلان على عم سالم .. عشان كده مافيش سمك النهاردة .. "
" كله يروح يا جدعان .. الظاهر الصيد مش نافع النهاردة و ربنا يعوض علينا .. "
" بس على الله نيجي بكره نلاقي السمك .. "
" قول يا رب !! "
رويدا رويدا بدأت الجموع في الإنسحاب .. ووجدتني وحيدا على الشاطئ اسمع نداء البحر . عندئذ فهمت ..
ذاك الوقت من اليوم الذي انتظره من يوم ليوم قد أتى .. لكن اليوم ليس ككل يوم .. اليوم أتى علي الدور لألقى للسمك بالعيش علشان ربنا يكرمنا ..
